رواية عزلاء أمام سطوة ماله بقلم مريم غريب

موقع أيام نيوز


ببطء ..
كانت نصف ممدة في السرير الكبير يغطي نصفها السفلي لحاف سميك باللون الأبيض .. تماما مثل وجهها الشاحب حتي البياض
كان جفناها مطبقين حين شعرت بظل يمتص بقايا ضوء الغرفة المتسلل عبر جوانب عيناها ..
أزاحت أهدابها بتثاقل لتتمكن من الرؤية ... تفاجأت عندما رأته يقف أمامها حقا تفاجأت و تملكها ڠضب شديد
أرادت أن تصرخ في هذه اللحظة و تطرده من هنا فورا و بالفعل فتحت فمها لتقصفه پعنف ... لكنها أغلقته ثانية عندما وجدت صعوبة في النطق مجددا
أحست بالعجز الآن فقط و إستسلمت للقدر مقهورة بينما رمقها بعينين معذبتين و كره نفسه أكثر حين طفقت تحدجه بنظرات إتهام مشمئزة ..
صباح الخير ! .. قالها رفعت بصوت مبحوح و تابع
إزيك سلامتك . عاملة إيه دلوقتي يا أم عثمان !
طعنته بنظرة بغض ساخرة ليعض علي شفته بقوة و يطرق رأسه شاعرا بالخجل منها ..
يجلس رفعت علي كرسي محاذيا للفراش ثم يقول دون أن يرفع وجهه إليها
أنا عارف إن أي كلام مش ممكن يسكن چرحك أو چرح أي حد فينا . يحيى كان شئ مهم في حياتنا كلنا . كان مهم في حياتي أنا شخصيا رغم إني أخوه الكبير .. يحيى صحيح مش معانا بجسمه . بس أنا متأكد إنه معانا بروحه .. ثم نظر لها و أكمل
أنا متأكد إنه هنا معانا يا فريال . متأكد إنه شايفنا و شايفك إنتي بالأخص . الحب إللي بينكوا قوي أوي مش سهل ينتهي و لو حتي بالمۏت . و بما إنك كنتي و لسا أغلي إنسانة علي قلب أخويا مش عايزك تفضلي زعلانة كده . حالتك لا يمكن تكون عجباه أكيد بيتعذب و هو شايفك تعبانة بالشكل ده و مش قادرة تتكلمي .. و غير كل ده . إنتي لازم تكوني مؤمنة بقضاء ربنا يا فريال . ده عمره و لو ماكانش ماټ في الحاډثة كان ھيموت هنا علي سريره.
لو كانت النظرات ټقتل لكان رفعت الآن في تابوت ... قذفته فريال بنظرة فتاكة إهتاجت أنفاسها و هي تتلفت ياحثة عن المجلد الذي أعطاه لها الطبيب
عثرت عليه بين الأغطية و إلتقطت القلم ثم بدأت بالكتابة فيما يراقبها رفعت بإهتمام ... إنتهت و رفعت الورقة أمام ناظريه ..
إنت إللي قټلته . مش هسيبك يا رفعت هاخد بتاره منك . إنت فاكرني ممكن أعيش لحظة منغير أخوك أنا في لحظتها كان سهل جدا أروح وراه بس لأ مش قبل ما أبعتك الأول هعيش و هرجع أقف علي رجلي عشان أموتك زي ما مۏته
إتسعت عينا رفعت و جحظتا من الصدمة ..
مش ممكن ! .. صاح رفعت مذهولا ..
إنتي .. إنتي متخيلة فعلا . إني ممكن أقتل أخويا متخيلة إني ممكن آا .. لم يكمل جملته ... أشاح بوجهه محاولا السيطرة علي غضبه قبل أن يتفاقم بشدة ثم واصل كلامه بحدة
إنتي أكيد الصدمة لسا مآثرة علي دماغك . لو كنتي قولتي أي حاجة تانية . لو كنتي عبرتي عن حزنك بأي طريقة غير الطريقة دي كنت هعذرك لكن لما خيالك يوصل للنقطة دي مش هتلاقي عندي أعذار يا فريال . يحيى ده أخويا قبل ما يكون جوزك و أبو ولادك فاهمة يعني إيه أخويا حتي لو كنت بحبك و لو كان هو سبقني و وصل لقلبك قبلي مش ممكن هفكر آذيه عشانك . يعني أنا ممكن أفكر أقتل أخويا عشان واحدة ست إستحالة أخسر أخويا عشانك أو عشان غيرك أو عشان أي حاجة في الدنيا !
في هذه اللحظة سمعا هما الإثنان صوت أشياء تنكسر قريبا منهما ... إلتفتا الشقيق و الزوجة معا ليشاهدا صفية ..
تفف متصلبة كتمثال من حجر و قد سقطت صينية الطعام من يدها ...
41 
أصابع الندم !
في البداية ... كان الأمر أشبه بالحلم
عندما غدت الرؤية معتمة لدي سمر و السمع بالكاد كان واضحا حيث أتاها صوته كما لو أنه علي بعد مسافة سحيقة
كان يدوي غاضبا مروعا مفزعا ... و من بين سيل الكلمات السريعة اللاذعة التي خرجت كالقنابل من فمه لم تلتقط أذنها سوي كلمة واحدة متكررة منذ البادئ .. خاېنة ..
ياللعجب ! .. لماذا ينعتها بالخائڼة .. ماذا فعلت في الحقيقة لم تكترث سمر كثيرا بالإجابة و لم تتوق لمعرفتها
فقد كانت سعيدة ... البرد الذي أصابها و خدر جسدها بالكامل و الدوار المسكر و العجز المسيطر عليها تماما .. كل هذه الأمور أنبأتها بأن الأمر علي وشك الإنتهاء
كل هذا العڈاب سينتهي قريبا الآلم الذي شعرت به منذ فترة طويلة الذل القهر المهانة .. كل شئ صار مرهونا بالعد العكسي لعدد أنفاسها الأخيرة
كانت مسالمة علي نحو غريب لم يكن لديها أي ميل للحياة ... أرادت أن تتخلص منها سريعا و بالفعل كان لها ما طلبت
غلبتها الغفوة الثقيلة في هذه اللحظة إنسحب الهواء كله من رئتيها هاربا شدها الظلام أكثر فأكثر ... نحو القاع اللانهائي و قبل أن ينطفئ بصيص حياتها للأبد شعرت بالإمتنان لأن أخويها سيعيشان في راحة و هدوء من بعدها قضي الأمر ..
لم تعد تشكل النقطة السوداء في حياة كلاهما ... ملك ستكون بخير فادي سيعتني بها جيدا و غدا سيكون له مستقبل زاهرا و سيحظي بزوجة تسعده و تكون أما لملك عوضا عنها
أخر فكرة راودتها كانت ... تري هل سيكون لها حظا من رحمة الله هل سيغفر الله لها هل ستنال عفوه
إستسلمت و نفسها تزخر بالړعب و الفزع ...
رغم برودة الجو ... كان جسد عثمان يتصبب عرقا ساخنا بعد هذا المجهود البدني و العصبي الهائل الذي بذله خلال الدقائق القليلة المنصرمة التي بدت و كأنها عقود بالنسبة لها و له
ما زال يضربها بۏحشية ما زال يتحدث مازال كيانه ينضح
حنقا و هو يهدر بأعلي صوته بلا وعي
. كنت واثق فيكي . أفكاري كلها كانت بدأت تتغير من ناحيتك . كنت فاكرك مختلفة فعلا . كنت فاكرك غيرهم كلهم . لكن طلعتي ممثلة . ممثلة هايلة . خدعتيني . بعتيني . إنتي ماتستهليش أي حاجة . إنتي زييها بالظبط.
يتوقف عثمان أخيرا عندما شعر بالإنهاك يتنفس بصوت مرتفع ينظر إليها بإحتقار و لم تخالجه ذرة شفقة عليها
بل ألقي بالحزام الذي يقطر منه دمائها علي الأرض ثم إلتفت و مضي إلي الهاتف الرابض فوق طاولة بجانب الفراش
أمسك بدليل الأرقام و عثر علي رقم الإسعاف بسهولة ... ضړب الأرقام و إنتظر الرد ..
ألو .. كانت أنفاسه منتظمة الآن و تحدث علي نحو جدي هادئ ..
من فضلك محتاج عربية إسعاف علي العنوان ده أنا عثمان البحيري . إللي حصل مايخصكيش . إبعتيلي عربية و خلاص . دلوقتي حالا !
و أغلق الخط و هو يتنهد بثقل ... تناهي إلي سمعه صوت جرس هاتفهه كان مكتوما فعقد حاجبيه و هو يتتبع مصدره
وصل عند سمر ثانية ... الصوت ينبعث من أسفلها حيث وقع منه
 

تم نسخ الرابط